نذير حمدان

7

حكمة القرآن والحضارة

ومع جفاف ينابيع الحكمة ونشوئها في بيئات وثنية ، وغلبة جانب فيها على الجوانب الأخرى اقتضت الحاجة إلى حكمة جديدة مستوعبة حكم الماضي والتاريخ وأزلية الوجود ، إلى حكم الممارسة والواقع بعيدة عن الشطحات وعالم المثل والخيال . فكان مولد الحكمة القرآنية يؤذن بروح جديد ومعايير محكمة ونفعية خاصة وعامة . ومع طغيان المادية في الفلسفة الحديثة سوى لمعات ودفقات علوية ، وترويج الوجودية الانعزالية تحت وطأة هذه المادية ، وشيوع الخرافة ومحاولة التحليق النفسي فوق هذه وتلك للتعويض عن الخواء الروحي ، وإعلان مفكرين عن قصور الفلسفة وتحيزها وتخبطها وإفلاسها كان من الضروري إبراز حكمة القرآن التي أثبتت وجودها ومدت على العالم ظلالها وتجاورت مع الحضارات الأخرى مع ملاحظة أسبقيتها زمانا وجوهرا . ومع صرعات هذه المذاهب الفلسفية وصراعاتها يبدو اختلاف الشعوب وتعدد الثقافات عاملا قويا لتأخذ حكمة القرآن العامة الشاملة المتوازنة مكانها في العقل والقلب والسلوك والفردية والجماعية والعالمية لتصيغ الإنسان صياغة حكيمة ، وتكونه تكوينا إنسانيا حريا بإنسانيته . ومع بروز نظام عالمي واحد أو متعدد تتفرّد رؤية بالسيادة وتستقطب لها فعاليات العالم لتضعها في إطارها العالمي الأوحد ، مثل : قطبية المال الغاشم والقوة المادية والتقانة المدمرة وتحكم فئة ( الحكماء ) بحكمتهم وتسويد تصورهم العنصري ، وبالتالي أخلاقياتهم واقتصادهم لا بدّ من حكمة تتقبل كل حكمة ، ولا بدّ للأمة التي تحمل هذه الحكمة ( الحكم ) أن تقبل الحياة مع كل أمّة تؤمن بالحق وتعمل بالخير وتقدس العمل النافع وتتبادل الحكمة معها . تلكم هي إنسانية الحكمة القرآنية « ( يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً . إن واحدية الثقافية وفردانية النظام تجعل منها منهجا نظريا وعمليا لتسيس الناس إليه ، وإن كان نابعا من فوقية مستعلية مرفوضة ، لأنه عاجز عن استيعاب الإنسانية وإن حاول سيادتها وتسييرها والتصرف بمقدراتها . فلا فئوية في الحكمة ولا طبقية في احتكارها فأينما وجدت فإن المؤمن أحق بها ، والبحث عنها شيء من وجوده الثقافي وحكمته العامة .